افتُتح مؤخراً أول جسر مناظر طبيعية مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد في الصين، وذلك في حديقة تاوبو المركزية الخضراء بمنطقة بوتو في شنغهاي، وأصبح مفتوحاً للجمهور. يبلغ طول هذا الجسر المعدني المطلي بالذهب على شكل حرف S 15.25 متراً، وعرضه 3.8 أمتار، وارتفاعه 1.2 متر، ويبدو كشريط حريري ناعم يستقر فوق مجرى مائي متعرج. استغرق التصميم أكثر من ستة أشهر ومئات المرات من تعديل المخططات، بينما استغرق البناء الفعلي بالطباعة ثلاثية الأبعاد 35 يوماً فقط، وتم تشكيله دفعة واحدة. هذا الجسر ليس مجرد جسر مناظر طبيعية، بل هو تجربة ابتكارية في تكنولوجيا البناء، مما يمثل تقدماً اختراقياً للصين في مجال طباعة البناء ثلاثية الأبعاد.
العقبات الثلاث الكبرى في بناء الجسور التقليدية
تعتمد طريقة بناء الجسور، باعتبارها مكوناً أساسياً في البنية التحتية، منذ قرون على الصب باستخدام القوالب وربط حديد التسليح يدوياً. ويواجه النمط التقليدي ثلاث عقبات رئيسية على المدى الطويل:
طول المدة الزمنية: عادةً ما يستغرق بناء جسر مناظر طبيعية بطول 15 متراً من التصميم إلى التنفيذ من شهرين إلى ثلاثة أشهر، مع تعقيد في الإجراءات وتأثر واضح بالظروف الجوية.
محدودية الأشكال: تعتمد التقنيات التقليدية على القوالب، مما يجعل من الصعب تحقيق الأسطح ثلاثية الأبعاد المعقدة والأشكال الانسيابية الحرة، وغالباً ما تكون تصورات المهندسين المعماريين الخيالية مقيدة بـ"القوالب".
هدر كبير في المواد: ينتج عن الصب باستخدام القوالب كميات كبيرة من نفايات البناء، مع انخفاض في معدل استخدام المواد وارتفاع في انبعاثات الكربون، مما يتعارض مع اتجاه التنمية الخضراء.
أشار تشن شياو مينغ، نائب كبير المهندسين في مجموعة شنغهاي للهندسة الإنشائية، إلى أن "مثل هذه الأسطح ثلاثية الأبعاد لا يمكن تحقيقها بالتقنيات التقليدية، وقد جعلت تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ما كان مستحيلاً ممكناً".
تحول نموذجي من "العمل اليدوي" إلى "الطباعة الآلية"
"الدماغ": نظام الطباعة ثلاثية الأبعاد المركب على بوابة رافعة
العامل الرئيسي وراء هذا الجسر هو نظام الطباعة ثلاثية الأبعاد المركب على بوابة رافعة، الذي طورته شركة الآلات والهياكل التابعة لمجموعة شنغهاي للهندسة الإنشائية. يتكون هذا النظام بشكل أساسي من هيكل بوابة ثلاثي المحاور، وروبوت صناعي عالي الدقة بستة محاور، وجهاز بثق عالي السرعة (فوهة رقمية)، مما يتيح دقة أعلى للطباعة ثلاثية الأبعاد، وأحجاماً أكبر، وقدرة على تلبية المزيد من الهياكل المكانية.
تشبه عملية الطباعة "التراكم" طبقة تلو الأخرى: تستغرق طباعة طبقة واحدة 8 ساعات، ويمكن إنجاز سمك 4 مليمترات. نظراً لأن الطبقة الواحدة يصل طولها إلى 15 متراً، فإن التبريد غير المتساوي للمادة يمكن أن يسبب بسهولة شقوقاً حرارية والتفافاً حرارياً. استخدم فريق البناء عمليات مثل "التسخين المسبق قبل الطباعة، والحفاظ على الحرارة بعد الطباعة" لرفع درجة حرارة مساحة عمل الطباعة، وضمان أن قوة الترابط بين الطبقات تصل إلى 80%–85% من قوة المادة نفسها.
"الهيكل العظمي": مادة مركبة من الراتنج والألياف الزجاجية بدلاً من الخرسانة
على عكس الجسور الخرسانية التقليدية، يستخدم هذا الجسر مادة مركبة من الراتنج والألياف الزجاجية بدلاً من الخرسانة والصلب. بعد ما يقرب من مائة تجربة طباعة وتحسين مستمر، اختار الفريق في النهاية إضافة نسبة معينة من الألياف الزجاجية ومواد مقاومة للشيخوخة إلى مادة ASA (بلاستيك هندسي عالي الجزيئات).
تتميز هذه المادة المبتكرة بخصائص مثل المقاومة العالية للعوامل الجوية، ومعامل المرونة العالي، وقوة الخضوع العالية، ومقاومة الصدمات العالية، مما يمكنها من تحمل التعرض الطويل لأشعة الشمس والأمطار، مع تلبية المعايير المزدوجة لمواد الطباعة ثلاثية الأبعاد ومواد البناء. أظهرت الاختبارات أن هذا الجسر يمكنه تحمل مرور 20 شخصاً بالغاً في وقت واحد بشكل طبيعي، ويبلغ عمره التصميمي 30 عاماً، دون الحاجة إلى صيانة خاصة خلال هذه الفترة.
"الكفاءة": 35 يوماً للطباعة مقابل مدة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر بالطرق التقليدية
من التصميم إلى التشكيل النهائي بالطباعة، حقق هذا الجسر سرعة جديدة في بناء جسور المناظر الطبيعية الكبيرة. استغرق التصميم أكثر من ستة أشهر ومئات المرات من تعديل المخططات، بينما استغرق الطباعة الفعلية 35 يوماً فقط وتم تشكيله دفعة واحدة. بالمقارنة، يتطلب بناء جسر مناظر طبيعية بنفس الحجم بالطرق التقليدية من شهرين إلى ثلاثة أشهر.
خلال عملية البناء، عمل ذراعان آليان بستة محاور بشكل متزامن لطباعة جميع المكونات الرئيسية. هذا الأسلوب في البناء الآلي لم يوفر حوالي 50% من تكاليف العمالة فحسب، بل زاد أيضاً من كفاءة البناء بشكل كبير. يتم تشكيل منتجات الطباعة ثلاثية الأبعاد بشكل متكامل، وبعد نقلها إلى الوجهة عبر حاويات، لا يستغرق تركيبها سوى يوم أو يومين.
قفزة تاريخية من "كثافة العمالة" إلى "كثافة التكنولوجيا"
معالجة "نقص العمالة" في قطاع البناء
مع تلاشي المكاسب الديموغرافية تدريجياً، تبرز مشكلة نقص العمالة في قطاع البناء بشكل متزايد. تتميز تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد بخصائص الأتمتة والكفاءة العالية، ومن المتوقع أن توفر لشركات البناء ما يصل إلى 50% من تكاليف العمالة، مما يجعلها مساراً تقنياً مهماً لتخفيف ضغط نقص العمالة في القطاع.
معدل استخدام المواد يقترب من 100%، وانخفاض انبعاثات الكربون بأكثر من 60%
يستهلك بناء الجسور التقليدية كميات كبيرة من الصلب والخرسانة، بينما يمكن للمواد المركبة الجديدة المستخدمة في الجسر المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد أن تحل محل مواد البناء التقليدية، مما يقلل الاعتماد على الموارد الطبيعية. يصل معدل استخدام المواد أثناء البناء إلى ما يقرب من 100%، مع تحقيق صفر هدر تقريباً، وانخفاض في انبعاثات الكربون بأكثر من 60% مقارنة بالطرق التقليدية، مما يتماشى مع أهداف استراتيجية "ثنائي الكربون" الوطنية.
إطلاق حرية التصميم وإعادة تشكيل جماليات البناء
تتيح تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تحويل الأسطح الحرة والأشكال المعقدة في أذهان المهندسين المعماريين من المخططات إلى الواقع. يظهر هذا الجسر شكلاً جميلاً من الأسطح ثلاثية الأبعاد، مما يخلق شكلاً جسرياً متغيراً بحرية وغني بالديناميكية. يعتقد تشن شياو مينغ أن مجالات القوة لتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد تكمن في زخرفة المباني، حيث يمكنها إبراز الجانب الفني للمباني بشكل أفضل.
من "حالة فردية" إلى "تطبيق واسع النطاق"
حل تقني قابل للتكرار والتعميم
صرح شو تشنغ، سكرتير لجنة الحزب ورئيس مجلس إدارة مجموعة شنغهاي للهندسة الإنشائية، في حفل الافتتاح، أن هذا الجسر المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد "يوفر حلاً تقنياً قابلاً للتكرار والتعميم لبناء البنية التحتية في المستقبل". من المعروف أن مجموعة شنغهاي للهندسة الإنشائية راكمت خبرة غنية في مجال طباعة المباني ثلاثية الأبعاد، حيث سبق وأن أكملت مشاريع مثل جسر تشيوانتشو المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد، وأطول جسر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد في العالم في تشنغدو، مما دفع بتقنية التصنيع الإضافي من "حالة فردية" إلى تطبيق واسع النطاق.
امتداد من جسور المناظر الطبيعية إلى المشاريع البلدية
حالياً، يتجه تطبيق الطباعة ثلاثية الأبعاد في مجال الجسور من جسور المناظر الطبيعية إلى المشاريع البلدية. في الوقت نفسه، يجري بناء جسر مشاة بطول إجمالي 66.8 متراً وببحرة صافية 34.0 متراً باستخدام قوالب خرسانية قابلة للفك مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد في مشروع المساحات الخضراء العامة في نانكياويوان بمنطقة فنغشيان في شنغهاي، والذي سيصبح بعد اكتماله أطول بحرة في العالم للطباعة ثلاثية الأبعاد.
الارتقاء الصناعي من "طباعة الجسور" إلى "طباعة المنازل"
يشير خبراء القطاع إلى أن تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد من المتوقع أن توفر لشركات البناء ما يصل إلى 50% من تكاليف العمالة لبناء المنازل، مع تقليل الغبار في الموقع ونفايات البناء، مما يتماشى مع اتجاه البناء الأخضر والتنمية المستدامة. من الجسور إلى المنازل، ومن المناظر الطبيعية إلى السكن، تفتح تقنية طباعة المباني ثلاثية الأبعاد سوقاً إضافياً تريليونياً.
من أول جسر راتنجي مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد في الصين ظهر في حديقة تاوبو المركزية الخضراء في عام 2019، إلى جسر معدني على شكل حرف S باللون الذهبي الشمباني تم تشييده في نفس الحديقة الخضراء في عام 2026، قطعت تقنية طباعة المباني ثلاثية الأبعاد في الصين دورة كاملة من "التحقق المختبري" إلى "التطبيق الهندسي". 35 يوماً للتشكيل دفعة واحدة، وتوفير 50% من تكاليف العمالة، وانخفاض انبعاثات الكربون بنسبة 60%، وعمر خدمة يبلغ 30 عاماً – هذه الأرقام تمثل نموذجاً مصغراً لعصر تحول قطاع البناء في الصين من "كثافة العمالة" إلى "كثافة التكنولوجيا".
وكما ذكرت مجموعة شنغهاي للهندسة الإنشائية، فإن هذا الجسر المطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد ليس مجرد جسر مناظر طبيعية، بل هو تجربة ابتكارية في تكنولوجيا البناء، ويوفر حلاً تقنياً قابلاً للتكرار والتعميم لبناء البنية التحتية في المستقبل. عندما تحل الأذرع الآلية محل عمال حديد التسليح، وعندما تحل المواد المركبة محل الخرسانة المسلحة، وعندما تحل 35 يوماً محل شهرين إلى ثلاثة أشهر، فإن البناء الصيني يكتب نموذجاً جديداً خاصاً به لـ"التصنيع الذكي".
