طوّر فريق بحثي من كلية الهندسة بجامعة برينستون الأمريكية مادة شبه موصلة فائقة الرقة يمكن "برمجتها" باستخدام الضوء. يبلغ سمك هذه المادة بضعة جزيئات فقط، ومع ذلك فهي قادرة على تغيير خصائصها الإلكترونية والبصرية بشكل متكرر تحت تأثير أطوال موجية ضوئية مختلفة، مما يتيح تنفيذ عملية البرمجة-المسح-إعادة البرمجة. من شأن هذا الإنجاز أن يسهم في تطوير أجهزة استشعار منخفضة الطاقة، وأجهزة إلكترونية ضوئية جديدة، وتقنيات حوسبة متطورة. وقد نُشرت الدراسة ذات الصلة في العدد الأخير من مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances).

صورة توضح مادة شبه موصلة فائقة الرقة طورها الباحثون، وهي قادرة على تغيير خصائصها بشكل متكرر استجابةً لتغيرات الإضاءة. المصدر: الموقع الرسمي لجامعة برينستون
على مدى العقود الماضية، اعتمدت صناعة أشباه الموصلات بشكل أساسي على تصغير أبعاد المكونات لتحسين الأداء الحسابي وكفاءة الطاقة. غير أنه مع اقتراب الأبعاد المميزة للرقائق من حدودها الفيزيائية، يواجه المزيد من التصغير لأجهزة أشباه الموصلات تحديات متزايدة. وبناءً على ذلك، بدأ الفريق في استكشاف مواد شبه موصلة جديدة ذات خصائص قابلة للضبط الديناميكي، آملين في دفع عجلة تطوير التقنيات الإلكترونية انطلاقًا من مستوى المادة نفسها.
حاليًا، تعتمد أشباه الموصلات التقليدية المستخدمة على نطاق واسع في الأجهزة الإلكترونية مثل أجهزة التلفاز والحواسيب، بشكل أساسي على الإشارات الكهربائية للتحكم في حالة عملها. وبمجرد تصنيع المادة، لا تتغير خصائصها الموصلة عادةً بشكل ملحوظ. أما مادة أشباه الموصلات التي تم تطويرها في هذه الدراسة، فهي قادرة على الاستجابة بنشاط للمحفزات الخارجية وتغيير خصائصها وفقًا للاحتياجات.
قام الفريق بدمج مادة شبه موصلة فائقة الرقة مع جزيئات مستجيبة للضوء. وتتعرض هذه الجزيئات لتغيرات بنيوية عند تعرضها لأطوال موجية ضوئية مختلفة، مما يؤدي بدوره إلى تغيير الخصائص الإلكترونية داخل أشباه الموصلات، وبالتالي يمكن ضبط قدرة المادة على التوصيل واستجابتها البصرية من خلال الإشارات الضوئية. وعلى عكس أشباه الموصلات التقليدية التي تظل خصائصها ثابتة إلى حد كبير بعد التصنيع، فإن هذه المادة الجديدة قادرة على تعديل حالتها ديناميكيًا وفقًا لظروف الإضاءة، ويمكن برمجتها ومسحها عدة مرات. ولا يقتصر هذا الضبط على مجرد التبديل بين حالتي "التشغيل والإيقاف"، بل يتيح تحقيق تغييرات متدرجة ومستمرة. فمن خلال تغيير ظروف الإضاءة، يمكن ضبط درجة استجابة المادة تدريجيًا، وعكس هذا التغيير عند الحاجة، مما يمنح المادة خصائص برمجية أكثر مرونة.
حتى الآن، نجح الفريق في تصنيع قطعة من مادة أشباه الموصلات فائقة الرقة بمساحة تبلغ حوالي بوصة مربعة واحدة وبخصائص متجانسة، واستُخدمت هذه المادة في بناء مصفوفة من المفاتيح الإلكترونية القابلة للبرمجة. ويشير هذا الإنجاز إلى أن المادة تمتلك بالفعل إمكانات للتوسع نحو أنظمة تكاملية أكبر حجمًا.