أعلنت المملكة العربية السعودية عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي»، في خطوة تعكس التحول الذي طرأ على دور هذه التقنية في مسيرة التحول الاقتصادي للمملكة. فلم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تُستخدم ضمن مشروعات التحول الرقمي الحكومي، بل أصبح قطاعاً اقتصادياً ناشئاً يربط بين البنية التحتية للحوسبة، واستثمارات الطاقة، والخدمات السحابية، وتحديث القطاعات الصناعية، وتوفير الوظائف عالية المهارة.
وتتمثل أبرز سمات سوق الذكاء الاصطناعي السعودي حالياً في الدور المحوري الذي تؤديه الاستراتيجيات الحكومية، ورأس المال السيادي، والمشروعات العامة الكبرى في دفع نمو السوق. فالطلب لا يأتي أساساً من شراء الشركات الصغيرة والمتوسطة للبرمجيات العامة، بل من الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات، والمنصات السحابية، والخدمات الحكومية الذكية، والتطبيقات الصناعية وقطاع الطاقة، إلى جانب تطوير النماذج اللغوية العربية.
لذلك، لا يمكن تقييم آفاق سوق الذكاء الاصطناعي في السعودية بالاعتماد على تقديرات حجم السوق وحدها. فالأهم هو الإجابة عن ثلاثة أسئلة رئيسية: هل تستطيع المملكة بناء قدرات حوسبة محلية كافية؟ وهل يمكن تحويل هذه القدرات إلى إنتاجية فعلية في قطاعات الطاقة والتمويل والرعاية الصحية والخدمات العامة؟ وهل يمكن إنشاء منظومة للذكاء الاصطناعي تعتمد على الشركات والمواهب والبيانات المحلية؟
أولاً: الاقتصاد الرقمي يوفر قاعدة واسعة لنمو سوق الذكاء الاصطناعي
لا تبدأ صناعة الذكاء الاصطناعي السعودية من نقطة الصفر. فقد أسهمت سنوات من الاستثمار في شبكات الاتصالات، ورقمنة الخدمات الحكومية، وتطوير الحوسبة السحابية، في بناء قاعدة رقمية متقدمة نسبياً.
وبحسب بيانات الهيئة العامة للإحصاء، بلغت مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي للمملكة 16% في عام 2024، مقارنة بـ15.6% في عام 2023. كما بلغت الإيرادات التشغيلية لقطاع تقنية المعلومات والاتصالات خلال الفترة نفسها نحو 249.8 مليار ريال سعودي.
وتشير هذه الأرقام إلى أن التقنية الرقمية لم تعد قطاعاً هامشياً داخل الاقتصاد السعودي، بل أصبحت بنية أساسية تعتمد عليها قطاعات التمويل والتجزئة والنقل والخدمات الحكومية والعمليات الصناعية.
ويمتلك السوق أيضاً قاعدة مستخدمين مواتية لتوسع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ووفقاً لتقرير «الإنترنت السعودي 2025» الصادر عن هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت في المملكة الذين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي 45.2%. كما بلغ متوسط استهلاك الفرد للبيانات المتنقلة 53 GB شهرياً، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي.
ويوفر انتشار الإنترنت، وارتفاع استهلاك البيانات، والاعتماد الواسع على الخدمات الرقمية، سوقاً كبيرة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي، وخدمة العملاء الذكية، والمحتوى الرقمي، وأدوات رفع الإنتاجية الفردية.
إلا أن ارتفاع عدد مستخدمي أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة نضج الصناعة. فالمرحلة المقبلة من السوق السعودي لا تتعلق فقط بزيادة عدد مستخدمي روبوتات المحادثة، بل بقدرة المؤسسات الحكومية والشركات على دمج الذكاء الاصطناعي في إجراءات العمل وقواعد البيانات وأنظمة اتخاذ القرار، بما يؤدي فعلياً إلى خفض التكاليف، وتحسين الكفاءة، أو توليد إيرادات جديدة.
ثانياً: شركة HUMAIN تعيد تشكيل نموذج الاستثمار في الذكاء الاصطناعي
في مايو 2025، أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة «هيومين» (HUMAIN) المتخصصة في الذكاء الاصطناعي. ولا تعمل هيومين بوصفها شركة تقنية تقليدية تركز على تطوير التطبيقات البرمجية فقط، بل تستهدف بناء سلسلة متكاملة تشمل مراكز البيانات، والبنية التحتية السحابية، ومنصات الحوسبة، والنماذج الأساسية، والتطبيقات القطاعية.
ويعني تأسيس الشركة أن السعودية بدأت في توحيد استثمارات الذكاء الاصطناعي التي كانت موزعة سابقاً بين عدد من الجهات والمنصات، ووضعها ضمن إطار استثماري وتشغيلي أكثر تكاملاً.
وفي مجال البنية التحتية للحوسبة، أعلنت هيومين وشركة NVIDIA خطة لبناء قدرات حوسبة مخصصة للذكاء الاصطناعي تصل إلى 500 MW خلال خمس سنوات، مع استخدام مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسوميات المتقدمة.
وتتضمن المرحلة الأولى إنشاء نظام حوسبة فائقة يضم 18 ألف شريحة من طراز NVIDIA GB300 Grace Blackwell. وتستهدف هذه البنية تنفيذ عمليات تدريب النماذج وتشغيلها على نطاق واسع، وخدمة المشروعات الحكومية والمؤسسات والشركات الناشئة.
كما تستهدف الشراكة بين هيومين وشركة AMD بناء قدرات حوسبة تصل أيضاً إلى 500 MW. ويعتزم الطرفان استثمار ما يصل إلى 10 مليارات دولار خلال خمس سنوات في تطوير بنية حوسبة مفتوحة تخدم المؤسسات والشركات الناشئة ومتطلبات الذكاء الاصطناعي السيادي.
وفي عام 2026، بدأت هيومين البحث عن تمويل لا يقل عن 20 مليار ريال سعودي لمشروعات مراكز البيانات، كما حصلت على ترتيبات تمويلية تدعم بناء قدرات تصل إلى 250 MW. ويشير ذلك إلى انتقال الاستثمار السعودي في الذكاء الاصطناعي من مرحلة مذكرات التفاهم وشراء المعدات إلى مرحلة التمويل واسع النطاق، والأعمال الإنشائية، وتشغيل الأصول.
وتكمن القيمة الاستراتيجية لهيومين في التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره بنية أساسية شبيهة بالطاقة والاتصالات والنقل، وليس مجرد منتج برمجي منفرد. وتسعى المملكة إلى بناء قدرات حوسبة ضخمة أولاً، ثم جذب مطوري النماذج، والتطبيقات المؤسسية، ومراكز البحث، والعملاء الإقليميين إلى المنصات المحلية.
ويمكن لهذا النموذج تسريع بناء البنية التحتية، لكنه يطرح سؤالاً اقتصادياً أساسياً: لا تتحول قدرات الحوسبة إلى قيمة اقتصادية إلا عندما تُستخدم بصورة مستمرة.
لذلك، لن يُقاس نجاح هيومين مستقبلاً بعدد الميغاواط من مراكز البيانات أو بعدد الشرائح التي تم شراؤها فقط، بل بمعدل استخدام هذه المنشآت، وحجم الأحمال التجارية المستقرة التي تستضيفها، وقدرتها على تحقيق إيرادات مستدامة.
ثالثاً: تسارع بناء القدرات المحلية للخدمات السحابية
يعتمد تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ونشرها وتشغيلها بصورة مستمرة على البنية السحابية. وبالنسبة إلى الجهات الحكومية والبنوك والمؤسسات الصحية والشركات الصناعية الكبرى، قد تكون إقامة البيانات داخل المملكة والامتثال لمتطلبات الأمن والتنظيم المحلي أكثر أهمية من تكلفة الحوسبة وحدها.
وتشغل Google Cloud بالفعل منطقة سحابية في الدمام، كما توسعت في تقديم خدمات سيادة البيانات والأمن والذكاء الاصطناعي. وتدير Oracle منطقتين سحابيتين في جدة والرياض، وأتاحت خدمات الذكاء الاصطناعي التوليدي من خلال بنيتها السحابية في الرياض.
كما أعلنت AWS استثمار أكثر من 5.3 مليارات دولار في إنشاء منطقة سحابية داخل المملكة. وأكدت Microsoft أن منطقة مراكز البيانات التابعة لها في المنطقة الشرقية، والتي تضم ثلاث مناطق توافر، ستدخل الخدمة خلال الربع الرابع من عام 2026.
وسيتيح ذلك للمؤسسات الحكومية والشركات تشغيل أحمال الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي وتخزين البيانات داخل الأراضي السعودية.
ومع استكمال شركات الخدمات السحابية العالمية بناء منشآتها المحلية، ستتراجع العقبات المرتبطة بإقامة البيانات وزمن الاستجابة الشبكية. كما ستنتقل المنافسة من مجرد القدرة على توفير خدمات سحابية محلية إلى التنافس في أسعار الحوسبة، وحوكمة البيانات، والحلول القطاعية، والدعم الفني، واستقرار الخدمات.
ويعني ذلك أن سوق الذكاء الاصطناعي السعودي سيشهد تعايشاً طويل الأجل بين النماذج الأساسية المحلية، ومنصات الحوسبة التابعة لهيومين، والخدمات السحابية العامة التي توفرها الشركات الدولية.
وستعطي الجهات الحكومية والقطاعات الاستراتيجية أولوية أكبر للسيادة والتحكم المحلي، بينما ستركز الشركات التجارية على نضج المنتجات والتكلفة. وقد تعتمد المؤسسات الكبرى نموذجاً هجيناً يجمع بين السحابة العامة، والسحابة السيادية، والأنظمة الخاصة التي تُنشأ داخل المؤسسة.
رابعاً: الطاقة والصناعة ستشكلان أكثر أسواق التطبيقات ارتباطاً بالاقتصاد السعودي
لن تأتي القيمة طويلة الأجل لسوق الذكاء الاصطناعي السعودي أساساً من برمجيات العمل المكتبي العامة، بل من التطبيقات المتخصصة القادرة على خدمة القطاعات الأساسية في اقتصاد المملكة.
في قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الجيولوجية، والصيانة التنبؤية للمعدات، وتحسين معايير الإنتاج، ومراقبة خطوط الأنابيب، وضبط الجودة، وإدارة استهلاك الطاقة.
وتضم المنشآت الصناعية الكبرى أعداداً ضخمة من أجهزة الاستشعار، وسجلات تشغيل تاريخية، ومعدات مرتفعة القيمة. وإذا تمكنت أنظمة الذكاء الاصطناعي من خفض فترات التوقف أو رفع كفاءة الإنتاج، فقد تتجاوز قيمتها التجارية بكثير قيمة أدوات توليد النصوص العامة.
وفي قطاع الكهرباء والطاقة المتجددة، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في توقع الأحمال، والتنبؤ بإنتاج محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحسين تشغيل الشبكات، وإدارة تخزين الكهرباء، وتقليل استهلاك الطاقة داخل مراكز البيانات الكبرى.
ومع توسع البنية التحتية لحوسبة الذكاء الاصطناعي، ستصبح مراكز البيانات نفسها من كبار مستهلكي الكهرباء، وهو ما سيزيد الترابط بين الصناعة الرقمية ومنظومة الطاقة.
ويمتلك قطاع الرعاية الصحية أيضاً فرصاً كبيرة. وتشمل التطبيقات المحتملة التحليل المساعد للصور الطبية، وفرز المرضى، وإدارة موارد المستشفيات، والبحث الدوائي، ومعالجة السجلات الطبية باللغة العربية.
غير أن حساسية البيانات الصحية تفرض على المنتجات الامتثال لمتطلبات حماية البيانات المحلية، وتحديد المسؤولية الطبية، وضمان إمكانية تفسير قرارات النماذج.
أما في القطاع المالي، فستتركز أهم الاستخدامات في مكافحة الاحتيال، وتقييم الائتمان، ومراجعة الامتثال، وخدمة العملاء، وإدارة المعرفة الداخلية.
ولا تحتاج البنوك إلى نموذج لغوي عام فقط، بل إلى أنظمة مؤسسية تستطيع الاتصال بالبيانات الداخلية، والاحتفاظ بسجلات المراجعة، والتحكم في المخرجات الخاطئة أو غير الموثوقة.
كما تمثل قطاعات السياحة والطيران والخدمات اللوجستية والتجزئة أسواقاً مهمة للنمو. ومع ارتفاع أعداد الزوار الدوليين واستمرار الاستعداد لمعرض إكسبو الرياض 2030 وكأس العالم 2034، سيزداد الطلب على خدمات العملاء متعددة اللغات، والتنبؤ بحركة الزوار، والتسعير الديناميكي، والنقل الذكي، وإدارة سلاسل الإمداد.
خامساً: الذكاء الاصطناعي باللغة العربية هو المجال الأكثر قابلية لبناء ميزة سعودية
تستند معظم النماذج العالمية الرائدة إلى كميات ضخمة من البيانات الإنجليزية، بينما ما تزال قدراتها أقل نضجاً في التعامل مع العربية الفصحى المعاصرة، واللهجات السعودية، والمصطلحات التخصصية، والسياقات الثقافية المحلية.
وطورت الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» نموذج «علّام» (ALLaM) بهدف تعزيز قدرات الفهم والتوليد باللغة العربية. وأصبح النموذج متاحاً من خلال عدد من المنصات، منها IBM watsonx وMicrosoft Azure وQualcomm AI Cloud وHugging Face.
كما تعمل المملكة على تطوير تقنيات صوتية قادرة على التعرف على لهجات متعددة داخل السعودية والعالم العربي.
ولا تكمن القيمة التجارية للنماذج العربية في منافسة النماذج العالمية من حيث عدد المعلمات فقط، بل في معالجة مشكلات الدقة التي تواجه المؤسسات المحلية عند التعامل مع الوثائق الحكومية، والنصوص القانونية، والسجلات الطبية، والمحتوى التعليمي، ومراكز الاتصال، والمصطلحات الدينية والثقافية.
وتمتلك السعودية بيانات حكومية وقطاعية ومصادر واسعة للمحتوى العربي، إضافة إلى القدرة على الاستثمار طويل الأجل. وإذا نجحت في إنشاء مجموعات بيانات عالية الجودة، وتنظيم تراخيص استخدامها، ووضع معايير واضحة للتقييم، فقد تصبح مركزاً رئيسياً لأبحاث وخدمات الذكاء الاصطناعي باللغة العربية، وأن تصدر النماذج والحلول إلى دول الخليج وشمال أفريقيا وبقية الأسواق العربية.
لكن دعم اللغة العربية لا يتحول تلقائياً إلى ميزة تنافسية. فاللغة العربية تجمع بين الفصحى واللهجات المحلية والأساليب التخصصية، وهو ما يتطلب استثمارات طويلة الأجل في تنظيف البيانات، والتصنيف البشري، واختبارات السلامة، والمواءمة الثقافية.
وعليه، يجب أن تثبت المنتجات ذات القيمة التجارية دقتها داخل القطاعات وسيناريوهات الاستخدام الفعلية، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن دعم اللغة العربية.
سادساً: فرص السوق ستنتقل تدريجياً من بناء الأجهزة إلى الخدمات القطاعية
تتركز أكبر الاستثمارات في المرحلة الحالية في الشرائح، والخوادم، ومراكز البيانات، وأنظمة الطاقة، والمنصات السحابية. وسيؤدي ذلك مباشرة إلى زيادة الطلب على الخزائن الحاسوبية عالية الكثافة، وأنظمة التبريد السائل، والطاقة الاحتياطية، ومعدات المحطات الكهربائية، والشبكات، وأنظمة مكافحة الحرائق، وخدمات هندسة مراكز البيانات.
ومع دخول البنية التحتية حيز التشغيل، سينتقل مركز السوق تدريجياً إلى الطبقات الأعلى، بما فيها حوكمة بيانات المؤسسات، ونشر النماذج، والأمن السيبراني، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، وتكامل البرمجيات، والحلول المتخصصة بحسب القطاع.
ومن أبرز الفرص التجارية التي تمتلك قابلية أكبر للاستمرار:
-
تنظيم البيانات التاريخية لدى الجهات الحكومية والشركات وتحويلها إلى أصول قابلة للاستخدام في أنظمة الذكاء الاصطناعي؛
-
بناء أنظمة ذكاء اصطناعي خاصة للبنوك والمستشفيات وشركات الطاقة؛
-
تطوير حلول عربية لخدمة العملاء والتعرف على الصوت ومعالجة الوثائق؛
-
تقديم خدمات تقييم سلامة النماذج والامتثال للبيانات وحوكمة الذكاء الاصطناعي؛
-
مراقبة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتحديثها وتحسين تكاليفها بصورة مستمرة؛
-
تدريب كوادر محلية تجمع بين فهم تقنيات الذكاء الاصطناعي والخبرة القطاعية.
وقد لا تبلغ القيمة الاستثمارية لهذه الخدمات مستوى الإنفاق المركز على مراكز البيانات، لكنها أكثر قدرة على توليد وظائف مستدامة وإيرادات برمجية وبناء قدرات حقيقية لدى الشركات المحلية.
سابعاً: المواهب والطاقة والعائد التجاري هي القيود الرئيسية
تهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي إلى وضع السعودية ضمن الدول الرائدة عالمياً في الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030، وإعداد أكثر من 20 ألف متخصص في البيانات والذكاء الاصطناعي.
إلا أن الصناعة لا تحتاج فقط إلى خريجين يمتلكون أساسيات البرمجة، بل تحتاج أيضاً إلى مهندسي شرائح وحوسبة موزعة، ومشغلي مراكز بيانات، وباحثي نماذج، ومستشارين قطاعيين، ومديري منتجات، وخبراء أمن سيبراني وحوكمة بيانات.
ويجب أن يتزامن نمو عدد المتخصصين مع تراكم الخبرة العملية. وإلا فقد يظهر تفاوت بين ارتفاع أعداد المشاركين في برامج التدريب ونقص الكوادر القادرة على قيادة المشروعات المعقدة.
ويتمثل القيد الثاني في الطاقة والتبريد. فمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي التي تبلغ قدرتها مئات الميغاواط تُعد منشآت صناعية كثيفة الاستهلاك للكهرباء.
وتمتلك السعودية موارد طاقة وقدرات كبيرة لتطوير الطاقة المتجددة، إلا أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد صعوبة التبريد واستهلاك الكهرباء. ولذلك، يجب أن تدمج المشروعات المستقبلية بين توصيلات الكهرباء، والتبريد عالي الكفاءة، وإدارة المياه، واستخدام مصادر الطاقة منخفضة الكربون.
أما القيد الثالث فهو العائد على الاستثمار. فمن السهل نسبياً قياس حجم البنية التحتية الحاسوبية التي تم إنشاؤها، لكن قياس العائد الاقتصادي الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات أكثر تعقيداً.
وقد تطلق بعض الجهات مشروعات تجريبية استجابة للتوجهات الحكومية، إلا أن هذه المشروعات قد تبقى في مرحلة العرض التجريبي إذا لم تتمكن من الاتصال بالبيانات الفعلية، أو تغيير إجراءات العمل، أو تحديد المسؤوليات بوضوح.
ولهذا تدخل السوق السعودية مرحلة تحول مهمة، سينتقل فيها التركيز تدريجياً من «امتلاك قدرات الذكاء الاصطناعي» إلى «إثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على توليد قيمة اقتصادية قابلة للقياس».
ثامناً: التنظيم سيصبح جزءاً من القدرة التنافسية للصناعة
يتعامل الذكاء الاصطناعي مع البيانات الشخصية، والأسرار التجارية، والمعلومات الحكومية، والقرارات المؤتمتة. وقد بدأت السعودية في بناء إطار لحوكمة البيانات والذكاء الاصطناعي من خلال نظام حماية البيانات الشخصية، ومبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والإرشادات الخاصة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الجهات الحكومية.
وتتولى «سدايا»، بصفتها الجهة الوطنية المختصة بالبيانات والذكاء الاصطناعي، أدواراً تجمع بين وضع الاستراتيجيات، ودعم التطوير، وتعزيز الحوكمة.
ولا يمثل الامتثال التنظيمي قيداً على الشركات فقط، بل يمكن أن يشكل حاجزاً تنافسياً لصالح الموردين الأكثر استعداداً. فالشركات القادرة على توثيق مصادر البيانات، وإدارة صلاحيات الوصول، وتقييم النماذج، وتدقيق المخرجات، وتوفير النشر المحلي ستكون أكثر قدرة على دخول قطاعات الحكومة والتمويل والطاقة والصحة.
وستحتاج السعودية إلى تحقيق توازن بين سرعة الابتكار ومتطلبات السلامة. فقد تؤدي القواعد المتساهلة إلى زيادة مخاطر تسرب البيانات، والقرارات الخاطئة، والتهديدات الأمنية؛ بينما قد يؤدي التنظيم المفرط إلى إبطاء تبني التقنية داخل المؤسسات.
ويتمثل المسار الأكثر واقعية في وضع متطلبات مختلفة بحسب القطاع ومستوى المخاطر، بدلاً من إخضاع جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لمعيار موحد.
الخلاصة
ينتقل سوق الذكاء الاصطناعي السعودي من مرحلة رقمنة الخدمات الحكومية وشراء التقنيات إلى مرحلة بناء متزامن للبنية التحتية للحوسبة، والخدمات السحابية، والنماذج الأساسية، والتطبيقات القطاعية.
وتمنح الاستثمارات الضخمة التي تقودها هيومين، وشركات الشرائح العالمية، ومزودو الخدمات السحابية، المملكة فرصة لتصبح مركزاً رئيسياً لحوسبة الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط. كما توفر مساهمة الاقتصاد الرقمي بنسبة 16% من الناتج المحلي، ووصول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي إلى 45.2% من مستخدمي الإنترنت، قاعدة مناسبة لتوسع سوق التطبيقات.
لكن حجم البنية التحتية ليس الهدف النهائي. فسيتوقف نجاح صناعة الذكاء الاصطناعي السعودية على معدلات استخدام قدرات الحوسبة، وجودة المواهب المحلية، وكفاءة المنتجات العربية، والعائد الفعلي الذي تحققه التقنية في الطاقة والتمويل والرعاية الصحية والخدمات الحكومية والإنتاج الصناعي.
وبحلول عام 2030، قد لا تتمثل الميزة التنافسية الأكثر قيمة للسعودية في امتلاك أكبر نموذج منفرد، بل في بناء منظومة متكاملة: طاقة محلية تدعم مراكز الحوسبة، ومنصات سحابية محلية تستضيف البيانات، ونماذج تفهم اللغة والثقافة العربية، ومؤسسات قطاعية توفر حالات الاستخدام، وإطار تنظيمي يضمن التشغيل الموثوق والمسؤول للتقنيات.
ومن هذا المنظور، لم تعد المرحلة المقبلة من سوق الذكاء الاصطناعي السعودي تتعلق فقط بزيادة حجم الاستثمار، بل بتحويل رأس المال والطاقة والبيانات والمواهب إلى صناعة ذكاء اصطناعي قادرة على التشغيل المستدام وتحقيق قيمة اقتصادية حقيقية.









