أخبار ar.wedoany.com، أعادت مجموعة من مشاريع الإسكان العام في إشبيلية الإسبانية استخدام الطوب الخزفي التقليدي كمواد بناء رئيسية، لمواجهة التحديات المعمارية المعاصرة مثل الحرارة الشديدة واستهلاك الطاقة المرتفع وصيانة الواجهات. وأكد المهندس المعماري للمشروع، ماكسيمو كاباييرو، أن هذه المساكن تتمتع "بجودة بناء مذهلة"، مما يثبت أن هذه المادة التي استُخدمت لقرون لا تزال قادرة على تقديم حلول فعالة للمشكلات الراهنة.
وأوضح المهندس المعماري أن الطوب الخزفي يجمع بين المتانة وخاصية "الصيانة شبه المعدومة"، وهو أمر بالغ الأهمية في مباني الإسكان العام، حيث يعد اختيار مواد تحافظ على حالتها الجيدة لسنوات طويلة دون الحاجة إلى إصلاحات متكررة أو معالجات مكلفة أمرًا أساسيًا.
لم يُختر الطوب في المشروع لمتانته ومظهره فحسب، بل كان لونه الأبيض أيضًا استراتيجية تصميمية لمواجهة حرارة إشبيلية المرتفعة. وأشار ماكسيمو كاباييرو إلى أن الطوب الأبيض يعكس معظم الإشعاع الشمسي، مما يمنع تراكم الحرارة المفرط في الواجهات.
يؤثر لون المواد الخارجية بشكل كبير على كمية الإشعاع الشمسي التي تمتصها المباني، إذ ترتفع حرارة الأسطح الداكنة بسرعة أكبر، بينما تعكس التشطيبات الفاتحة نسبة أكبر من الضوء. ويساعد الطوب الأبيض المكشوف، من خلال عكس جزء من الإشعاع الشمسي، في إبقاء درجة حرارة الأسطح الخارجية أكثر اعتدالًا، مما يقلل الحرارة المتراكمة في غلاف المبنى خلال فترات التعرض الأقصى.

يُعد هذا القرار بالغ الأهمية في مناخ مثل مناخ إشبيلية، حيث تتعرض الواجهات لإشعاع شديد لفترات طويلة. ويساعد تجنب الارتفاع المفرط لدرجة حرارة الأسطح الخارجية في تقليل اكتساب الحرارة، مما يسهل الحفاظ على درجة حرارة داخلية مريحة في المساكن. لا يعتمد الأداء المناخي للمبنى على لون الطوب فحسب، بل يجمع المشروع بين المواد وتصميم يتكيف مع كل اتجاه، وشرفات كبيرة، ومساكن تسمح بالتهوية الطبيعية.
من أبرز السمات اللافتة في هذه المساكن أن المبنى لا يعتمد نفس المعالجة في جميع واجهاته. وقال ماكسيمو كاباييرو إن الطوب يتيح تصميم "واجهتين مختلفتين"، كل منهما مصممة لظروف محددة من حيث الإشعاع الشمسي والضوضاء والعلاقة مع الخارج. فالمبنى الشرقي ينفتح عبر شرفات متصلة كبيرة، تعمل هذه المساحات الخارجية كامتداد للمسكن وكحماية من أشعة الشمس.

تساعد الشرفات في منع أشعة الشمس المباشرة من الوصول إلى النوافذ خلال الأشهر الأكثر حرارة، إذ يُلقي عمقها بظلاله على الواجهة، مما يخلق منطقة وسيطة بين الخارج والداخل. وفي الشتاء، عندما تكون الشمس منخفضة، يسمح التصميم نفسه بدخول الضوء بسهولة أكبر إلى داخل المساكن، مما يجعل الواجهة عازلة صيفًا دون التخلي عن الإضاءة الطبيعية واكتساب الحرارة شتاءً.

وأوضح المهندس المعماري أن الواجهة الغربية أكثر حماية، إذ تعمل كحاجز ضد الضوضاء وأشعة الشمس بعد الظهر، التي تُعد من الأشد في مناطق مثل إشبيلية. فبدلاً من اعتماد حل واحد على محيط المبنى بأكمله، يكيّف المشروع كل واجهة مع الظروف الفعلية، مستفيدًا من الاتجاهات المواتية وحاميًا المساكن من الاتجاهات غير المواتية.
يتميز المبنى بعرضه المحدود نسبيًا، لكن هذه الخاصية أصبحت إحدى مزاياه الرئيسية. فجميع المساكن من النوع النافذ، حيث تمتد من واجهة إلى الواجهة المقابلة، وتتمتع بفتحات تواجه اتجاهين مختلفين. ويسمح هذا التصميم للهواء بالدخول من أحد جانبي المسكن والخروج من الجانب الآخر، مما يخلق تيارًا هوائيًا طبيعيًا يحقق تهوية متقاطعة.

تُعد التهوية المتقاطعة من أكثر الاستراتيجيات السلبية فعالية لتحسين الراحة الصيفية. فعند فتح نوافذ الواجهتين المتقابلتين، تعمل فروق الضغط ودرجة الحرارة على تعزيز دوران الهواء، مما يساعد في تجديد الهواء وطرد الحرارة وخفض الإحساس بدرجة الحرارة، دون الاعتماد المستمر على أنظمة التكييف الميكانيكية.

يعتمد التأثير على عوامل مثل درجة الحرارة الخارجية والاتجاه وتدفق الهواء، لكن تصميم المساكن يوفر للسكان إمكانية التهوية الطبيعية دون استهلاك للطاقة. ففي الأوقات الأكثر برودة، يؤدي فتح الفتحات على الجانبين إلى طرد الحرارة المخزنة خلال النهار وتبريد الغرف.
لا يعتمد أداء المبنى على حل واحد مبهر أو تقنية معقدة، بل هو نتيجة تراكم عدة قرارات بسيطة ومتسقة فيما بينها. فالطوب الأبيض يعكس الإشعاع الشمسي ويمنع تراكم الحرارة في الواجهات، والشرفات الشرقية تحمي النوافذ صيفًا وتسمح بدخول الضوء شتاءً، والواجهة الغربية مغلقة لتكون حاجزًا، والعرض المحدود للمبنى يسمح بتنظيم مساكن نافذة تعزز التهوية المتقاطعة. تعمل هذه الاستراتيجيات مجتمعة على تحسين الراحة الحرارية وتقليل الاعتماد على التكييف.
يُظهر المشروع أن الاستدامة لا تقتصر على اعتماد أحدث أنظمة التجهيزات. فشكل المبنى واتجاه المساكن وعمق الشرفات واختيار المواد يمكن أن يكون لها تأثير حاسم على أدائه اليومي. بالنسبة لماكسيمو كاباييرو، تدفع مثل هذه المشاريع أيضًا إلى إعادة التفكير في تعريف الابتكار المعماري، إذ يرى أن المبنى الأكثر استدامة يكمن أحيانًا في استغلال الإمكانات الكاملة للمواد التقليدية التي رافقت البشرية لقرون، مثل الطوب. فالطوب الخزفي مادة تقليدية معروفة على نطاق واسع، لكن إمكانياته لم تستنفد بعد، فهو عند استخدامه بشكل صحيح يوفر القوة والمتانة وانخفاض الصيانة ومظهرًا يشيخ بأناقة.








