مقدمة
تحتل صناعة استخراج النفط موقعًا محوريًا في الاقتصاد العُماني، ليس فقط باعتبارها مصدرًا للإيرادات العامة والصادرات، بل بوصفها منظومة صناعية واسعة تضم الاستكشاف، وحفر الآبار، وإدارة المكامن، وخدمات الحقول، والنقل والتخزين والتكرير، إلى جانب شبكة متنامية من الشركات المحلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. ومع أن السلطنة لا تمتلك احتياطيات بحجم بعض المنتجين الخليجيين الكبار، فقد نجحت في بناء نموذج إنتاج يعتمد على الإدارة الفنية المتقدمة للمكامن، والاستخلاص المعزز للنفط، والشراكات طويلة الأجل مع الشركات الدولية.
بلغ إنتاج السلطنة من النفط الخام والمكثفات نحو 365.8 مليون برميل خلال عام 2025، بمتوسط يقارب مليون برميل يوميًا، بينما قُدرت الاحتياطيات بنحو 4.7 مليار برميل من النفط والمكثفات. وفي النصف الأول من عام 2026، ارتفع الإنتاج إلى نحو 198 مليون برميل، بزيادة تقارب 10.6% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025، ووصل متوسط الإنتاج اليومي إلى نحو 1.094 مليون برميل. وتعكس هذه الأرقام تحسنًا فعليًا في مستويات الإنتاج، لكن استمرار هذا الاتجاه خلال بقية العام سيظل مرتبطًا بسياسات مجموعة «أوبك+»، وبرامج الصيانة، وقدرة الحقول الناضجة على المحافظة على معدلات التدفق.
السوق العُماني، لذلك، ليس سوقًا قائمًا على اكتشاف حقول عملاقة سهلة ومنخفضة التكلفة، بل سوق تقني يعتمد على إطالة عمر الأصول القائمة، وزيادة معامل الاستخلاص، وتقليل تكلفة البرميل، ورفع كفاءة استهلاك الطاقة والمياه. وهذه الطبيعة تجعل فرص النمو مختلفة عن الأسواق التي تقودها موجات الاستكشاف الجديدة؛ إذ تتركز القيمة في التكنولوجيا والخدمات المتخصصة أكثر مما تتركز في التوسع الكمي وحده.
أولًا: الإنتاج النفطي بين التعافي والقيود التنظيمية
تأثر إنتاج النفط العُماني خلال عامي 2023 و2024 والتعاملات المبكرة من عام 2025 بتخفيضات الإنتاج المتفق عليها ضمن مجموعة «أوبك+». وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن هذه التخفيضات ضغطت على نشاط القطاع الهيدروكربوني، رغم استمرار نمو الأنشطة غير النفطية. وتوقع الصندوق ارتفاع متوسط إنتاج النفط الخام والمكثفات من نحو 1.005 مليون برميل يوميًا في 2025 إلى نحو 1.048 مليون برميل يوميًا في 2026، مع نمو الناتج الحقيقي للقطاع الهيدروكربوني بنحو 4% خلال عام 2026.
تُظهر بيانات النصف الأول من 2026 أن الأداء الفعلي تجاوز متوسط توقعات الصندوق خلال تلك الفترة، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن الإنتاج السنوي سيبقى فوق 1.09 مليون برميل يوميًا. فالسلطنة، بصفتها من الدول المشاركة في «أوبك+»، تعدل إنتاجها وفق القرارات الجماعية. وفي 2 أغسطس 2026 وافقت ثماني دول مشاركة، من بينها عُمان، على تعديل جماعي للإنتاج بمقدار 188 ألف برميل يوميًا لشهر سبتمبر، مع تأكيد إمكانية إيقاف الزيادة أو عكسها وفق أوضاع السوق.
ومن ثم، يجب الفصل بين ثلاثة عوامل تحكم السوق. العامل الأول هو القدرة الفنية للحقول على الإنتاج، والثاني هو الحصة المتاحة ضمن ترتيبات «أوبك+»، والثالث هو الجدوى الاقتصادية في ضوء أسعار النفط وتكاليف التشغيل. وقد تكون لدى المشغلين قدرة إنتاجية أعلى من المستوى المسوّق فعليًا، إلا أن الاستثمارات لا تُتخذ على أساس الطاقة الاسمية وحدها، بل على أساس توقعات الطلب والأسعار والسياسة الإنتاجية.
توقع صندوق النقد الدولي انخفاض متوسط سعر تصدير الخام العُماني من نحو 70.6 دولارًا للبرميل في 2025 إلى قرابة 62.1 دولارًا في 2026. ويعني ذلك أن زيادة الإنتاج لا تضمن بالضرورة ارتفاع الإيرادات بالقيمة نفسها، خصوصًا إذا تزامنت مع انخفاض الأسعار. ولهذا تتجه الشركات إلى التركيز على تكلفة دورة حياة الحقل، وخفض زمن توقف الآبار، ورفع إنتاجية المعدات، بدل الاعتماد على السعر المرتفع لتغطية عدم الكفاءة.
ثانيًا: الموارد والاستكشاف وتجديد قاعدة الاحتياطيات
رغم نضج العديد من الحقول، لم يتوقف نشاط الاستكشاف والتقييم. فقد شهد عام 2025 حفر 64 بئرًا استكشافية وتقييمية، منها 47 بئرًا مرتبطة بالنفط و17 بئرًا مرتبطة بالغاز. ولا تعني جميع الآبار بالضرورة اكتشافات تجارية، لكنها تشير إلى استمرار الإنفاق على تعويض الإنتاج واستكشاف التراكيب الأقل تطورًا.
وفي عام 2026 طرحت وزارة الطاقة والمعادن جولة مزايدة شملت مناطق الامتياز 12 و16 و55 و42 و45، مع فترة تسجيل امتدت من أبريل إلى سبتمبر 2026. كما واصلت السلطنة توسيع النشاط البحري، ومن ذلك توقيع اتفاقية امتياز للمنطقة البحرية رقم 18، تتضمن فترة استكشاف أولية مدتها أربع سنوات، مع إمكانية الانتقال إلى امتياز إنتاج يمتد إلى 30 عامًا عند تحقق الجدوى التجارية.
تمثل هذه الجولات خططًا استثمارية وليست إنتاجًا مؤكدًا. فالانتقال من منح المنطقة إلى الإنتاج التجاري قد يستغرق سنوات، ويتطلب مسوحات زلزالية، وحفرًا استكشافيًا، وتقييمًا للمكامن، وتصميمًا للبنية الأساسية، وموافقات مالية وتنظيمية. لذلك لن تكون المزايدات الجديدة المحرك الرئيسي لإنتاج 2026 أو 2027، لكنها ضرورية للحفاظ على استدامة القطاع بعد نهاية العقد الحالي.
ومن منظور السوق، توفر المناطق الجديدة فرصًا لشركات الخدمات الزلزالية، وتحليل البيانات الجيولوجية، والحفر الاتجاهي، وسوائل الحفر، وتسجيل الآبار، واختبار التكوينات. إلا أن حجم الطلب الفعلي سيعتمد على التزامات الحد الأدنى للعمل التي يقدمها أصحاب الامتياز، وعلى نتائج الآبار الأولى. ولهذا يكون سوق الخدمات الاستكشافية أكثر تقلبًا من سوق صيانة الحقول المنتجة.
ثالثًا: هيكل الصناعة وسيطرة الأصول الكبرى
تظل شركة تنمية نفط عُمان العمود الفقري لقطاع الاستخراج. وتمتلك شركة تنمية طاقة عُمان حصة الحكومة البالغة 60% في الشركة، بينما تتوزع الحصة المتبقية على شركاء دوليين. وخلال عام 2024، ساهمت شركة تنمية نفط عُمان بنحو 77% من إنتاج السلطنة من النفط والمكثفات، إضافة إلى نحو 48% من إنتاج الغاز غير المصاحب.
تكشف أرقام منطقة الامتياز رقم 6 عن الحجم التشغيلي للسوق. تمتد المنطقة على نحو 75 ألف كيلومتر مربع، وتضم قرابة 240 حقلًا نفطيًا منتجًا، و38 حقلًا للغاز، و29 محطة إنتاج، وأكثر من 14 ألف بئر نشطة، وشبكة تتجاوز 33 ألف كيلومتر من خطوط الأنابيب وخطوط التدفق. وبلغ متوسط إنتاج النفط لدى الشركة نحو 680 ألف برميل يوميًا في عام 2024.
هذا التركّز يمنح السوق درجة عالية من الاستقرار؛ إذ تتمتع المشروعات ببرامج تطوير طويلة الأجل ومشغلين ذوي قدرة مالية وفنية. لكنه يجعل دخول الموردين مرتبطًا بأنظمة تأهيل صارمة، وعقود طويلة، ومتطلبات سلامة وجودة ومحتوى محلي مرتفعة. ولا يكفي تقديم سعر منخفض، لأن فشل المعدات أو توقف الآبار يمكن أن يسبب خسائر تتجاوز قيمة العقد نفسه.
إلى جانب شركة تنمية نفط عُمان، برزت شركة أوكيو للاستكشاف والإنتاج بوصفها أكبر شركة عُمانية مدرجة تركز على أنشطة المنبع. تدير الشركة أو تشارك في 14 أصلًا، وتتعاون مع شركات دولية مثل «بي بي» و«شل» و«توتال إنرجيز» و«أوكسيدنتال». وفي السنة المالية 2025 سجلت إيرادات تقارب 1.2 مليار ريال عُماني، وأرباحًا صافية بنحو 278 مليون ريال، وأرباحًا قبل الفوائد والضرائب والاستهلاك والإطفاء بلغت نحو 941 مليون ريال.
إدراج أوكيو للاستكشاف والإنتاج في بورصة مسقط أضاف عنصرًا جديدًا إلى هيكل القطاع، إذ أصبحت النتائج التشغيلية وتوزيعات الأرباح وكفاءة رأس المال أكثر وضوحًا للمستثمرين. كما يخلق ذلك ضغطًا أكبر لتحقيق توازن بين نمو الإنتاج، والانضباط المالي، والسياسة التوزيعية، وخفض الانبعاثات.
رابعًا: الاستخلاص المعزز هو المحرك الفني الرئيسي
تتميز بعض المكامن العُمانية بالنفط الثقيل، أو النفاذية المنخفضة، أو التعقيدات الجيولوجية التي تحد من كفاءة الإنتاج التقليدي. لذلك أصبح الاستخلاص المعزز للنفط جزءًا أساسيًا من نموذج تطوير الحقول، وليس تقنية هامشية تستخدم فقط في المراحل النهائية.
توقعت وزارة الطاقة والمعادن أن يساهم الاستخلاص المعزز بنحو 20% من إجمالي الإنتاج خلال 2026، مقارنة بنحو 15% في عام 2021. وداخل أصول شركة تنمية نفط عُمان، شكل الإنتاج الأولي نحو 36% من إنتاج النفط في 2023، والإنتاج الثانوي نحو 50%، بينما ساهم الاستخلاص المعزز بنحو 14%. وتتوقع الشركة ارتفاع مساهمة تقنيات الاستخلاص المعزز إلى قرابة 26% بحلول 2030.
تستخدم الحقول العُمانية مجموعة متنوعة من التقنيات. تشمل هذه التقنيات حقن الغاز القابل للامتزاج في مشاريع مثل برباء الكبرى ورباب هرويل، والحقن الحراري بالبخار في قرن علم وأمل، وحقن البوليمرات في مرمول، إلى جانب مشروعات تجريبية ومفاهيم تطويرية أخرى. وتدير شركة تنمية نفط عُمان أو تطور عشرات المشروعات المرتبطة بالاستخلاص المعزز بدرجات مختلفة من النضج.
تؤدي هذه التوجهات إلى نمو سوق متخصص يشمل المواد الكيميائية، والبوليمرات، ومولدات البخار، ومضخات الحقن، ومعدات معالجة الغاز الحامض، وأنظمة الرفع الاصطناعي، وأجهزة مراقبة المكامن، ونمذجة تدفق السوائل، ومعالجة المياه المنتجة. وهي مجالات يصعب فيها استبدال التكنولوجيا بمجرد زيادة العمالة أو المعدات التقليدية.
لكن الاستخلاص المعزز يرفع أيضًا استهلاك الطاقة والمياه والتعقيد التشغيلي. فإذا ارتفعت تكلفة البخار أو الغاز أو المواد الكيميائية بوتيرة أسرع من قيمة الإنتاج الإضافي، قد تتراجع الجدوى الاقتصادية للمشروع. لذلك تزداد أهمية الحلول التي تخفض استهلاك الطاقة لكل برميل، وتتيح التحكم اللحظي في الحقن، وتقلل فقدان المواد داخل المكمن.
يمثل مشروع «مِرآة» للطاقة الشمسية الحرارية مثالًا على محاولة تقليل استهلاك الغاز في توليد البخار المستخدم لاستخراج النفط الثقيل. تبلغ القدرة الحرارية للمشروع نحو 330 ميغاواط، ويولد في المتوسط قرابة ألفي طن من البخار الشمسي يوميًا في حقل أمل. ويبين المشروع أن الاستثمار في خفض الانبعاثات يمكن أن يرتبط مباشرة باقتصاديات الاستخراج، من خلال توفير الغاز لاستخدامات أو صادرات أخرى بدل حرقه لإنتاج البخار.
خامسًا: سوق الحفر وخدمات الحقول
يعتمد استقرار الإنتاج في الحقول الناضجة على استمرار حفر الآبار التطويرية، وإعادة إكمال الآبار، والتحفيز، والصيانة، والرفع الاصطناعي. ولهذا قد يظل إنفاق خدمات الحقول قويًا حتى في الفترات التي لا يرتفع فيها الإنتاج الإجمالي بصورة كبيرة، لأن المشغلين يحتاجون إلى تعويض الانخفاض الطبيعي المستمر.
تقدم شركة أبراج لخدمات الطاقة مؤشرًا واضحًا على حجم السوق المحلي. ففي عام 2025 استحوذت الشركة على نحو 28% من سوق الحفر المحلي، و25% من خدمات الإسمنت، و33% من خدمات التكسير الهيدروليكي. كما نفذت أعمالًا في 357 بئرًا، وحفرت أكثر من 900 كيلومتر، مع نسبة زمن غير منتج بلغت نحو 0.73%.
وفي الربع الثاني من 2026 بلغت نسبة استخدام منصات الشركة نحو 91%، ووصلت قيمة الأعمال المتعاقد عليها إلى قرابة 953 مليون ريال عُماني. كما دعمت الشركة عملياتها بأسطول ثانٍ للتكسير الهيدروليكي مخصص للعمل مع شركة تنمية نفط عُمان. وتعطي هذه الأرقام إشارة إلى استمرار الطلب على خدمات الآبار، رغم تقلب أسعار الخام.
لا يعني ذلك أن جميع فئات المعدات والخدمات تتمتع بالجاذبية نفسها. فالخدمات العامة منخفضة التخصص تواجه منافسة سعرية قوية، بينما تحقق الخدمات التي تقلل زمن الحفر أو تحسن إنتاجية البئر أو تعالج تحديًا جيولوجيًا محددًا قيمة أعلى. وتشمل القطاعات الأكثر قابلية للنمو الحفر الاتجاهي، والقياس أثناء الحفر، والتكسير المصمم للمكامن، والتحكم في الرمال، ومعالجة المياه، والمراقبة الرقمية للآبار، والصيانة التنبؤية.
كما تزداد أهمية العقود المتكاملة التي تربط المدفوعات بالأداء. فالمشغل لا يبحث فقط عن تأجير منصة أو شراء مضخة، بل عن تقليل عدد أيام الحفر، وتحسين سلامة البئر، وخفض التوقفات، وضمان توافر قطع الغيار. وهذا يفضل الموردين القادرين على توفير خدمات ما بعد البيع ومخزون محلي ودعم هندسي داخل السلطنة.
سادسًا: الخام العُماني والأسواق التصديرية
يُسوّق الجزء الأكبر من إنتاج السلطنة ضمن خام التصدير العُماني، وهو مزيج يجمع إنتاج عدد من الحقول قبل توفيره في ميناء الفحل. وبلغت كثافة خام التصدير نحو 34.2 درجة وفق مقياس API، مع محتوى كبريت يقارب 1.20% في نهاية عام 2024، ما يضعه ضمن الخامات المتوسطة الحامضة المناسبة لمجموعة واسعة من المصافي الآسيوية.
تعتمد عقود البيع عادة على ترتيبات سنوية مع شركات نفط وتجار ومصافٍ، بينما يلعب السعر المتداول عبر بورصة دبي للطاقة دورًا مهمًا في تسعير الخام للمنطقة الآسيوية. ويمنح وجود مرجع سعري قابل للتداول الخام العُماني أهمية تتجاوز حجمه الإنتاجي، لأنه أصبح أحد المؤشرات المستخدمة في تسعير تدفقات نفطية شرق أوسطية متجهة إلى آسيا.
بلغت صادرات النفط العُماني نحو 307.96 مليون برميل خلال عام 2025، بمستوى قريب من العام السابق. وتظل الصين السوق الرئيسية للخام العُماني، ما يوفر طلبًا كبيرًا ومستقرًا نسبيًا، لكنه يرفع في الوقت نفسه درجة التركّز الجغرافي للصادرات. وأي تباطؤ قوي في التكرير الصيني، أو تغير في سياسات المخزون، أو زيادة حادة في الخصومات المقدمة من منتجين منافسين، يمكن أن يؤثر في فروق الأسعار المحققة.
ولا يقتصر الطلب على الصادرات الخام. فقد عزز تشغيل مصفاة الدقم التكامل بين الإنتاج المحلي والتكرير والبتروكيماويات. تبلغ الطاقة التصميمية للمصفاة نحو 230 ألف برميل يوميًا، بينما أظهرت العمليات قدرة على الوصول إلى نحو 255 ألف برميل يوميًا في بعض الفترات. كما عالجت مصافي أوكيو الأخرى نحو 93 مليون برميل خلال عام 2025.
يمنح هذا التكامل المنتجين خيارات أوسع بين التصدير المباشر وتوريد المصافي، كما يخلق طلبًا على أنواع محددة من الخام والمزج والتخزين. لكنه لا يعزل القطاع عن أسعار السوق العالمية، لأن المنتجات المكررة نفسها تخضع لهوامش التكرير الدولية وتكاليف الشحن.
سابعًا: التخزين والمرونة اللوجستية
يمثل مركز رأس مركز لتخزين النفط عنصرًا استراتيجيًا في البنية الأساسية للقطاع. تبلغ طاقته التخزينية نحو 26.7 مليون برميل، منها سعة مخصصة لخدمة مصفاة الدقم، ويرتبط بالمصفاة عبر خط أنابيب يمتد لنحو 80 كيلومترًا. ومنذ بدء تشغيله تعامل المركز مع أكثر من 176 مليون برميل عبر عشرات الناقلات.
تكمن أهمية رأس مركز في موقعه على بحر العرب خارج مضيق هرمز. ويمنح هذا الموقع السلطنة خيارًا لتخزين النفط وتداوله وتحميله من مسار بحري مختلف عن الموانئ داخل الخليج. ولا يلغي ذلك المخاطر الجيوسياسية أو مخاطر الشحن، لكنه يزيد المرونة التشغيلية ويوفر قاعدة لتطوير الدقم كمركز للطاقة والصناعات الثقيلة.
وعلى المدى المتوسط يمكن أن ينمو دور التخزين والمزج وإعادة التصدير، خصوصًا مع زيادة نشاط مصفاة الدقم والمشروعات الصناعية المجاورة. إلا أن تحويل المركز إلى منصة تجارية إقليمية واسعة سيتطلب جذب تدفقات من منتجين ومتعاملين دوليين، وتطوير خدمات مالية وتجارية، وضمان تنافسية رسوم التخزين والمناولة.
ثامنًا: المحتوى المحلي والتعمين
أصبح المحتوى المحلي جزءًا جوهريًا من اقتصاديات العقود النفطية في عُمان. ولا يُقاس أداء المورد فقط بالسعر والمواصفات، بل أيضًا بحجم الإنفاق المحلي، وتوظيف العُمانيين، والتدريب، ونقل المعرفة، واستخدام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وإقامة مرافق للصيانة أو التصنيع داخل السلطنة.
بلغت نسبة التعمين في قطاع الطاقة والمعادن نحو 91.6% وفق البيانات المعلنة، وهي نسبة مرتفعة تدفع الشركات الدولية إلى التركيز على الوظائف التقنية والتدريب المتقدم بدل الاعتماد على نموذج يقوم أساسًا على استقدام العمالة. كما تجاوز إنفاق مجموعة أوكيو المحلي 900 مليون دولار خلال عام 2024، وذهبت نسبة تقارب 19% من إجمالي إنفاقها إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأشارت وزارة الطاقة والمعادن إلى أن إنفاق القطاع خلال العقد الماضي تجاوز 11 مليار ريال عُماني، مع توجيه نحو 700 مليون ريال إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال عام واحد. وتوضح هذه الأرقام أن سلسلة القيمة المحلية لم تعد نشاطًا جانبيًا، بل أصبحت سوقًا قائمة تشمل النقل، والتصنيع المعدني، والصيانة، والمواد الكيميائية، والخدمات الرقمية، ومعدات السلامة، والإقامة والخدمات المساندة.
ومع ذلك، لا ينبغي مساواة ارتفاع الإنفاق المحلي بارتفاع القيمة التقنية المحلية تلقائيًا. فجزء من الإنفاق قد يتركز في الأنشطة التشغيلية والخدمات العامة، بينما تظل بعض التقنيات والمواد عالية القيمة مستوردة. والتحدي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من توطين الإنفاق إلى توطين المعرفة، بما يشمل تصميم حلول المكامن، وتصنيع مكونات حرجة، وتطوير البرمجيات، وإجراء الاختبارات والمعايرة داخل السلطنة.
بالنسبة إلى الموردين الجدد، يتطلب دخول السوق شريكًا محليًا فعالًا أو وجودًا مباشرًا، وتأهيلًا لدى المشغلين، وقدرة على توفير قطع الغيار والخدمة الفنية. أما التصدير المباشر للمعدات دون دعم محلي، فقد يكون مناسبًا لبعض المنتجات القياسية، لكنه أقل ملاءمة للمعدات الحرجة التي تؤثر في استمرارية الإنتاج.
تاسعًا: الرقمنة وخفض تكلفة البرميل
تزداد قيمة الرقمنة في السوق العُماني لأن شبكة الحقول واسعة، وعدد الآبار كبير، وبعض المواقع بعيدة ومعقدة. وتتيح أجهزة الاستشعار وتحليل البيانات مراقبة الضغط والتدفق وحالة المضخات، والتنبؤ بالأعطال، وتحسين معدلات الحقن، وتقليل الزيارات الميدانية.
لكن القيمة لا تأتي من تركيب منصات رقمية عامة فقط. يحتاج المشغلون إلى حلول مرتبطة بنتيجة قابلة للقياس، مثل خفض استهلاك الطاقة، أو تقليل توقف المضخات، أو زيادة إنتاج البئر، أو الكشف المبكر عن التسرب. ولهذا يتوقع أن تكون الحلول المتخصصة التي تدمج المعرفة النفطية مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات أكثر قدرة على تحقيق عائد من البرامج التي تركز على عرض البيانات دون تغيير القرار التشغيلي.
كما تزداد أهمية الأمن السيبراني مع توسع الربط بين الآبار ومراكز التحكم. وتحتاج الشركات إلى حماية أنظمة التشغيل الصناعية، وفصل الشبكات الحرجة، وإدارة صلاحيات الموردين، وضمان استمرار العمليات عند تعطل الاتصال. ويجعل اتساع الأصول وكثرة المقاولين إدارة الأمن الرقمي جزءًا من سلامة الإنتاج، لا مجرد وظيفة تقنية مساندة.
عاشرًا: خفض الانبعاثات دون إضعاف الإنتاج
تعمل السلطنة على التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون وتحقيق الحياد الصفري بحلول 2050. وبالنسبة إلى صناعة الاستخراج، لا يعني ذلك توقف الإنتاج في الأجل القريب، بل فرض متطلبات متزايدة لخفض كثافة الانبعاثات وتقليل الحرق والتسرب واستهلاك الوقود.
تواجه الحقول الناضجة تحديًا خاصًا؛ فكلما ارتفعت الحاجة إلى الضخ والحقن ومعالجة المياه وتوليد البخار، زادت الطاقة المطلوبة لإنتاج البرميل. ومن ثم ستصبح كثافة الكربون عاملًا مؤثرًا في اختيار تقنيات الاستخلاص المعزز، وتصميم محطات المعالجة، وشراء الكهرباء والمعدات.
تتركز الفرص في كهربة المعدات، والطاقة الشمسية لتوليد البخار أو الكهرباء، واستعادة غاز الشعلة، وكشف تسرب الميثان، ومضخات أكثر كفاءة، وإدارة المياه المنتجة، واحتجاز الكربون واستخدامه أو تخزينه. كما ستزداد الحاجة إلى أنظمة قياس وإبلاغ وتحقق قادرة على تقديم بيانات انبعاثات موثوقة للمشغلين والممولين والعملاء.
ومن الناحية الاقتصادية، ستكون المشروعات الأكثر قابلية للتنفيذ هي التي تجمع بين خفض الانبعاثات وتحقيق منفعة تشغيلية مباشرة. فإذا وفر المشروع الغاز، أو خفض استهلاك الكهرباء، أو قلل المواد الكيميائية، أو زاد إنتاجية البئر، يصبح أقل اعتمادًا على أسعار ائتمان الكربون أو الدعم التنظيمي.
الحادي عشر: التوقعات السوقية للفترة 2026–2030
يشير السيناريو الأساسي إلى بقاء إنتاج النفط والمكثفات العُمانية ضمن نطاق يقارب مليون إلى 1.1 مليون برميل يوميًا خلال معظم الفترة، مع تقلبات مرتبطة بقرارات «أوبك+» وتوقيت الصيانة وبدء المشروعات. ولا يُتوقع نمو خطي سريع، لأن زيادة إنتاج بعض الحقول ستقابلها معدلات انخفاض في حقول أخرى. ويستند هذا التقدير إلى الأداء الحالي، وتوقعات صندوق النقد الدولي، وطبيعة الحقول الناضجة، وليس إلى هدف حكومي مضمون.
في السيناريو الأعلى، يمكن أن يستفيد القطاع من تخفيف أسرع لقيود «أوبك+»، ونجاح برامج الاستكشاف، وزيادة مساهمة الاستخلاص المعزز، وارتفاع إنتاجية الآبار. أما السيناريو الأدنى فيرتبط بانخفاض طويل للأسعار، أو إعادة تشديد حصص الإنتاج، أو تأجيل الاستثمارات مرتفعة التكلفة، أو تراجع الطلب الآسيوي.
من حيث القيمة السوقية، ستتركز النفقات في المحافظة على الإنتاج أكثر من بناء طاقات ضخمة جديدة. ويشمل ذلك حفر الآبار التطويرية، وإصلاح الآبار، والرفع الاصطناعي، والحقن، ومعالجة المياه، وإدارة سلامة الأصول، وتجديد خطوط الأنابيب والمنشآت. وهذه الأنشطة أقل ظهورًا من اكتشاف حقل جديد، لكنها تمثل قاعدة طلب متكررة ومستقرة نسبيًا.
تبدو جاذبية السوق مرتفعة نسبيًا في التقنيات ذات التأثير المباشر على اقتصاديات البرميل، مثل الاستخلاص المعزز، والمراقبة الرقمية، وخفض استهلاك الطاقة، وتحسين الحفر، ومعالجة المياه والغاز الحامض. أما المعدات العامة والخدمات منخفضة التخصص، فستظل سوقًا تنافسية تضغط فيها سياسات المحتوى المحلي والمناقصات على الهوامش.
المخاطر الرئيسية
يظل سعر النفط الخطر الأكثر وضوحًا. فقد انخفض متوسط السعر المحقق في أنشطة المنبع لدى أوكيو خلال النصف الأول من 2025 إلى نحو 74.4 دولارًا للبرميل، مقارنة بنحو 82.2 دولارًا في الفترة نفسها من 2024. ويؤثر انخفاض السعر سريعًا في التدفق النقدي وقدرة الشركات على تمويل المشروعات غير الأساسية.
الخطر الثاني هو السياسة الإنتاجية. فقد تكون المشاريع مجدية فنيًا، لكن القيود الجماعية على الإنتاج يمكن أن تؤجل الاستفادة من الطاقة الجديدة. ومع ذلك، لا تتوقف جميع الاستثمارات عند خفض الحصص، لأن بعض الإنفاق ضروري لمقاومة الانخفاض الطبيعي والحفاظ على جاهزية الأصول.
الخطر الثالث هو ارتفاع تكلفة الحقول المعقدة. فالنفط الثقيل والحقن الحراري والبوليمرات ومعالجة الغاز الحامض تحتاج إلى تجهيزات وخبرات أعلى من الإنتاج التقليدي. وإذا لم تحقق التكنولوجيا زيادة كافية في معامل الاستخلاص، قد يصبح المشروع حساسًا جدًا لانخفاض الأسعار.
الخطر الرابع هو تركّز الصادرات في السوق الآسيوية، ولا سيما الصين. ورغم أن هذه العلاقة توفر سوقًا كبيرة، فإنها تزيد تأثر الخام العُماني بتغير هوامش التكرير الآسيوية والمنافسة من خامات الشرق الأوسط وروسيا ومناطق أخرى. ويخفف توسع التكرير والتخزين في الدقم من هذا التركّز جزئيًا، لكنه لا يلغيه.
أما الخطر الخامس فيتعلق بتزايد متطلبات خفض الكربون. فالحقول ذات الانبعاثات المرتفعة قد تواجه مستقبلًا تكاليف تمويل أو تسويق أكبر. ولذلك سيصبح تحسين كثافة الانبعاثات جزءًا من حماية القدرة التنافسية للخام العُماني، إلى جانب كونه التزامًا بيئيًا.
الخلاصة
تدخل صناعة استخراج النفط في سلطنة عُمان مرحلة تقوم على تعظيم قيمة الموارد القائمة أكثر من زيادة الإنتاج بأي تكلفة. فالقطاع يمتلك قاعدة مؤسسية مستقرة، ومشغلين ذوي خبرة، وبنية لوجستية متطورة، وسوق خدمات محلية قوية، لكنه يعمل ضمن حقول ناضجة ومكامن تحتاج إلى تقنيات متقدمة واستثمارات مستمرة.
لا تكمن الفرصة الأساسية في توقع طفرة إنتاجية ضخمة، بل في سوق طويلة الأجل لإدارة الحقول، والاستخلاص المعزز، والحفر المتخصص، والصيانة، والرقمنة، ومعالجة المياه، وخفض الانبعاثات. وستكون الشركات الأكثر نجاحًا هي التي تستطيع إثبات قدرتها على زيادة الإنتاج القابل للبيع، أو خفض تكلفة البرميل، أو تحسين الاعتمادية والسلامة، مع تقديم محتوى محلي حقيقي.
وبذلك يمكن وصف السوق العُماني بأنه سوق نفطي ناضج لكنه غير راكد؛ إذ يتحول تدريجيًا من الاعتماد على التوسع التقليدي إلى نموذج أكثر كثافة في التكنولوجيا والبيانات وكفاءة الطاقة. وتظل جاذبيته متوسطة إلى مرتفعة للموردين والمستثمرين المتخصصين، في حين تقل الجاذبية للأنشطة العامة التي لا تقدم فرقًا واضحًا في الأداء أو القيمة المحلية.









