في الآونة الأخيرة، افتتحت الصين رسميًا أول خط ملاحي سريع للحاويات يربط بين الصين وأوروبا عبر القطب الشمالي، ويستغرق الرحلة 18 يومًا فقط، أي أقل بحوالي 10 أيام مقارنة بالخطوط التقليدية. يُعد هذا الخط الجديد عبر ممر القطب الشمالي الشمالي الشرقي أحد المبادرات الاستراتيجية التي تتبناها بكين لتعزيز استقلالية اللوجستيات وتوسيع فرص التجارة في ظل الظروف العالمية غير المستقرة.

أعلنت حكومة مدينة نينغبو في مقاطعة تشجيانغ أن السفينة “Istanbul Bridge” قد أبحرت من ميناء نينغبو تشوشان، أكبر موانئ الصين، متجهة إلى ميناء Felixstowe في المملكة المتحدة. يقلل خط القطب الشمالي السريع بشكل كبير من زمن النقل: فبينما تستغرق الرحلة عبر قناة السويس التقليدية حوالي 40 يومًا، يستغرق الخط الجديد 18 يومًا فقط. حتى مقارنة بخط “الصين-أوروبا السريع” الذي افتتح نهاية عام 2024 بين نينغبو وميناء Wilhelmshaven الألماني (26 يومًا)، يظهر خط القطب الشمالي كفاءة أعلى.
لا يقتصر استخدام ممر الشمال الشرقي على توفير الوقت فحسب، بل يقلل أيضًا من انبعاثات الكربون للرحلة الواحدة بنسبة تقارب 50%، مما يتماشى مع اتجاهات الملاحة الخضراء العالمية. يحمل هذا المشروع أهمية كبيرة بالنسبة للصين، حيث لا يقتصر على كونه مشروع نقل، بل هو جزء من الاستراتيجية الأوسع ضمن إطار مبادرة “الحزام والطريق”. من خلال الربط المباشر مع أوروبا عبر مسار أقصر، يمكن تقليل الاعتماد على ممرات التجارة التقليدية مثل قناة السويس، التي تعرضت مرات عديدة للانقطاع بسبب الصراعات العسكرية أو الحوادث أو الأزمات الجيوسياسية.
بالنسبة للشركات الصينية، يوفر خط القطب الشمالي السريع فرصًا جديدة. في ظل عدم اليقين الاقتصادي العالمي وتزايد الحمائية التجارية في بعض الدول، يساعد هذا الخط الموثوق والسريع إلى أوروبا على تقليل مخاطر انقطاع سلسلة التوريد، خاصة بالنسبة للمنتجات عالية التقنية والمعدات الإلكترونية والسلع الحساسة لفترة الصلاحية.
ومع ذلك، يواجه المشروع تحديات. تتطلب مياه القطب الشمالي المناخية القاسية سفنًا متخصصة وبنية تحتية متطورة لضمان السلامة، بما في ذلك أساطيل كاسحات الجليد، وأنظمة الاتصالات والملاحة، وتطوير الموانئ على طول الطريق، وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة وتعاونًا دوليًا.
يُعد افتتاح خط القطب الشمالي السريع بين الصين وأوروبا حدثًا بارزًا في تطور اللوجستيات العالمية. يعكس هذا المشروع طموح الصين لتعزيز نفوذها التجاري العالمي، وتنويع مسارات الإمداد، وتقليل المخاطر المرتبطة بالممرات التقليدية. يجمع المشروع بين الفوائد الاقتصادية، والمزايا البيئية، والطموحات الجيوسياسية، ومن المتوقع أن يزداد أهمية ممر الشمال الشرقي في المستقبل، مما يجعل منطقة القطب الشمالي واحدة من المناطق الرئيسية في الاقتصاد العالمي.









