أخبار ar.wedoany.com، أشار "التقرير العالمي لصناعة الاندماج النووي 2026" إلى أن حجم التمويل الذي جمعته شركات تكنولوجيا الاندماج النووي على مستوى العالم خلال الاثني عشر شهراً الممتدة حتى يوليو 2026 بلغ رقماً قياسياً بلغ 4.48 مليار دولار أمريكي، مما يعكس تنامي ثقة السوق في تكنولوجيا الاندماج النووي، وهو ما سيدفع نحو تسريع وتيرة النشر التجاري لهذه التقنية.

باعتبارها مفتاح تحقيق تطبيقات الطاقة اللامحدودة والنظيفة والآمنة، يُطلق على الاندماج النووي لقب "الطاقة النهائية للبشرية". فمنذ بدء استكشاف تكنولوجيا الاندماج النووي الخاضع للتحكم في القرن الماضي، وحتى خروج تكنولوجيا الاندماج النووي الخاضع للتحكم في العديد من الدول من المختبرات حالياً، أصبح مسار التسويق التجاري لهذه التقنية أكثر وضوحاً يوماً بعد يوم. وقد أشارت جمعية صناعة الاندماج النووي في تقريرها الصادر مؤخراً بعنوان "التقرير العالمي لصناعة الاندماج النووي 2026" (يشار إليه فيما يلي باسم "التقرير") إلى أن حجم التمويل الذي جمعته شركات تكنولوجيا الاندماج النووي على مستوى العالم خلال الاثني عشر شهراً الممتدة حتى يوليو 2026 بلغ رقماً قياسياً بلغ 4.48 مليار دولار أمريكي، مما يعكس تنامي ثقة السوق في تكنولوجيا الاندماج النووي، وهو ما سيدفع نحو تسريع وتيرة النشر التجاري.
الشراكة بين القطاعين العام والخاص تقود التطور
صرح أندرو هولاند، الرئيس التنفيذي لجمعية صناعة الاندماج النووي، أنه في الماضي، كان تمويل أبحاث وتطوير تكنولوجيا الاندماج النووي موجهاً بشكل أساسي من الميزانيات الحكومية الوطنية، أما اليوم فإن حجم التمويل الخاص يتوسع باستمرار، مما يمثل علامة على أن هذه التكنولوجيا تتسارع نحو مرحلة تنمية صناعية تقودها متطلبات السوق وآفاق التسويق التجاري.
التوسع الجغرافي مستمر. وفقاً للتقرير، بدأت 12 دولة خلال العام الماضي دخول مجال الاندماج النووي. وبشكل عام، تعد الصين والولايات المتحدة الدولتين الرائدتين في هذا المجال، حيث تغطي الدولتان تقريباً جميع مسارات الاندماج المطروحة. كما أظهرت ألمانيا أداءً لافتاً خلال العام الماضي، في حين ظهرت شركتان ناشئتان هنديتان في مجال الاندماج النووي إلى دائرة الضوء.
التوسع القطاعي واضح. يبلغ إجمالي عدد شركات تكنولوجيا الاندماج النووي النشطة على مستوى العالم 56 شركة، يتجاوز إجمالي عدد العاملين فيها 16 ألف شخص، بينما يتجاوز عدد الوظائف المدعومة عبر سلاسل التوريد 21 ألف وظيفة، مما يشير إلى تشكل سلسلة صناعية متنامية النضج وقادرة على الاستجابة على نطاق واسع.
في الوقت نفسه، يشهد دور الحكومات تحولاً. فخلال العقود الماضية، قادت الحكومات مسارات الاندماج النووي عبر المختبرات الوطنية وبرامج البحث والتطوير العامة، أما اليوم فقد حولت بعض الدول الرائدة تركيزها نحو الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وبناء البنية التحتية، وضمان سلاسل التوريد، واستكمال الأطر التنظيمية.
وأشار أندرو هولاند إلى أن رأس المال الخاص يقود التقدم الهندسي والتحقق من نماذج الأعمال التجارية، بينما لا تزال الحكومات تؤدي دوراً لا يمكن الاستغناء عنه في مواجهة التحديات العلمية المشتركة مثل المواد المقاومة للنيوترونات، والاكتفاء الذاتي من التريتيوم، وكذلك في بناء أطر السلامة التنظيمية. وإن الجمع بين هذين العنصرين يجعل مسار انتقال طاقة الاندماج من المختبرات إلى التسويق التجاري أكثر وضوحاً.
وبالإضافة إلى التكنولوجيا نفسها، تشمل أكبر العقبات التي تواجه القطاع: موثوقية المواد وعمرها الافتراضي تحت أضرار الإشعاع، وإغلاق دورة وقود التريتيوم وتحقيق الاكتفاء الذاتي منه، واستكمال سلاسل التوريد وضبط التكاليف، وإنشاء أطر الموافقات التنظيمية. وهذه المشكلات لا يمكن لأي شركة بمفردها حلها، بل تتطلب استثمارات حكومية واسعة النطاق وطويلة الأجل وتعاوناً عبر القطاعات. ولهذا السبب، أصبح نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص توافقاً في الآراء داخل القطاع، حيث تعمل أعداد كبيرة من الشركات على تسريع التحقق من التكنولوجيا وتقليل مخاطر البحث والتطوير من خلال التعاون مع المختبرات الوطنية والجامعات والمؤسسات الحكومية.
ثقة القطاع في تصاعد مستمر
أشارت جمعية صناعة الاندماج النووي إلى أن ثقة القطاع في الجدوى التقنية للاندماج النووي تتعزز باستمرار، حيث تستهدف حوالي 71% من شركات تكنولوجيا الاندماج النووي توصيل الكهرباء التجارية إلى الشبكات الكهربائية خلال ثلاثينيات هذا القرن.
على صعيد المسارات التقنية، يُظهر القطاع تنوعاً كبيراً، بما في ذلك الحبس المغناطيسي، والحبس بالقصور الذاتي، والحبس المغناطيسي بالقصور الذاتي، مما يشير إلى أن السوق لم يتوصل بعد إلى توافق حول المسار التقني الرئيسي. وعلى المستوى العالمي، تبرز شركات مثل Helion الأمريكية المتخصصة في أبحاث الحبس المغناطيسي بالقصور الذاتي، وشركة CFS الأمريكية للطاقة الاندماجية، والشركة الألمانية الناشئة Proxima Fusion في مجال الاندماج النووي.
في مايو من العام الماضي، بدأت شركة CFS بناء نموذج أولي لمولد طاقة الاندماج النووي باسم SPARC في مجمع صناعي في ضواحي بوسطن. وSPARC هو جهاز توكاماك على شكل "دونات". يتكون جهاز التوكاماك من حجرة فراغية حلقية في الوسط، وتلتف حولها ملفات. عند تمرير التيار الكهربائي، يتولد داخل جهاز التوكاماك مجال مغناطيسي حلزوني هائل، يعمل على تسخين البلازما داخله إلى درجات حرارة عالية جداً لتحقيق هدف الاندماج النووي. وحتى الآن، يرى الرأي العلمي التقليدي أنه كلما كان جهاز التوكاماك أكبر، كانت أداؤه أقوى. تبلغ القيمة السوقية الحالية لشركة CFS حوالي 3 مليارات دولار أمريكي، وقد أكملت في وقت سابق من هذا العام تركيب أول مغناطيس لمفاعل الاندماج SPARC، ومن المتوقع أن تكمل تركيب جميع المغناطيسات البالغ عددها 18 مغناطيساً قبل نهاية الصيف.
تبلغ القيمة السوقية لشركة Proxima Fusion حوالي 2.4 مليار يورو، وهي حالياً الشركة الأكثر تمويلاً والأعلى تقييماً في مجال الاندماج النووي في أوروبا. وتقوم الشركة حالياً ببناء جهاز نجمي (Stellarator) تجريبي لإنتاج طاقة اندماجية صافية باسم Alpha بالقرب من ميونخ، بهدف تحقيق كسب طاقة صافٍ، أي أن الطاقة الناتجة عن تجربة الاندماج تتجاوز الطاقة المدخلة. وفي حال نجاح ذلك، سيتم بناء أول محطة طاقة اندماجية تجارية في أوروبا خلال ثلاثينيات هذا القرن.
يشير التقرير إلى أنه من حيث هيكل التمويل، فقد انتقل القطاع من مرحلة الاعتماد المبكر على عدد قليل من الشركات الرائدة إلى مرحلة أكثر تشتتاً وتنوعاً. فبالإضافة إلى الشركات الخمس التي تجاوز تمويلها مليار دولار أمريكي، تتوسع مجموعة الشركات متوسطة الحجم التي يتراوح تمويلها بين 100 مليون و500 مليون دولار أمريكي. ومع ذلك، فإن التقييمات المرتفعة والتوقعات الكبيرة تدفع بمزيد من الشركات إلى دائرة الضوء العام، حيث دخلت بعض الشركات الأسواق العامة عبر عمليات اندماج واستحواذ، مما يعني أن هذه الشركات ستواجه في المستقبل تدقيقاً مالياً يومياً من أسواق الأسهم، وستصبح شفافية المعلومات والقدرة على تحقيق النتائج الموعودة اختباراً أكثر صرامة، كما أن إعادة هيكلة القطاع أصبحت اتجاهاً شبه حتمي، ولن تتمكن جميع الشركات النشطة حالياً من البقاء حتى مرحلة التسويق التجاري الكامل.
الذكاء الاصطناعي يسرّع وتيرة التسويق التجاري
أشارت جمعية صناعة الاندماج النووي إلى أن الذكاء الاصطناعي (AI) يدفع عملية التسويق التجاري للاندماج النووي بقوة غير مسبوقة. فمع التوسع السريع لنماذج تدريب الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، ينمو الطلب العالمي على الطاقة المستقرة وواسعة النطاق ومنخفضة الكربون بمعدلات أسية. وفي هذا السياق، يُعتبر الاندماج النووي، بفضل كثافة الطاقة العالية جداً لوقوده، وانعدام انبعاثات الكربون، وقابلية التشغيل المستدام، الشكل الوحيد للطاقة القادر فعلياً على تلبية هذا الطلب المتزايد باستمرار.
"سيكون الاندماج النووي الحل الأكثر واقعية لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء من مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وسيصبح المصدر الرئيسي للطاقة الأرخص والأكثر نظافة وأماناً على وجه الأرض." صرح بذلك علناً مؤخراً ماسايوشي سون، مؤسس مجموعة SoftBank.
حالياً، تتوالى دعم كبرى شركات التكنولوجيا لمطوري الاندماج النووي، حيث وقعت مايكروسوفت اتفاقية شراء طاقة ملزمة مع Helion، بينما قدمت كل من Google وNvidia التمويل لشركتي CFS وProxima Fusion.
وبموجب اتفاقية شراء الطاقة الموقعة بين مايكروسوفت وHelion، تلتزم الأخيرة بتشغيل أول محطة طاقة اندماجية تجارية بحلول عام 2028، وتزويد مايكروسوفت بما لا يقل عن 50 ميغاواط من الكهرباء، وفي حال عدم التزام Helion بالتسليم في الموعد المحدد، ستواجه عقوبات مالية محتملة.
في العام الماضي، أقامت Helion حفل وضع حجر الأساس لأول منشأة اندماج نووي تجاري واسع النطاق باسم Orion في ولاية واشنطن، حيث يقع الموقع على مقربة من نهر كولومبيا، مما يتيح الاتصال المباشر بشبكة النقل الرئيسية لولاية واشنطن، ويقع في موقع أعلى النهر من البنية التحتية السحابية الكبيرة لمايكروسوفت.
حالياً، اكتمل بناء مبنى التجميع والمبنى الإداري في Orion، وبدأ إنشاء مبنى مولدات الكهرباء، كما حصلت الشركة على تراخيص المواد المشعة وتراخيص الانبعاثات الإشعاعية الهوائية من وزارة الصحة بولاية واشنطن، مما يمنحها الأهلية القانونية للبناء والتشغيل. وقد بلغت القيمة السوقية لشركة Helion 15.5 مليار دولار أمريكي.
يُظهر استطلاع أجرته جمعية صناعة الاندماج النووي أن 6 شركات لتكنولوجيا الاندماج النووي وقعت بالفعل اتفاقيات اختيار المواقع، فيما تقوم 4 شركات أخرى بتقييم مواقع بديلة بشكل نشط؛ كما وقعت 5 شركات اتفاقيات شراء طاقة أو اتفاقيات شراء أو التزامات تجارية مماثلة، وهناك شركتان أخريان تجريان مفاوضات ذات صلة. وتوفر هذه الاتفاقيات أدوات أساسية لتخفيف مخاطر السوق لتمويل محطات الاندماج النووي، مما يضمن أنه بمجرد توفر كهرباء الاندماج للبيع، يكون هناك مشترون بانتظارها.
"إن وجود اتفاقيات اختيار المواقع واتفاقيات شراء الطاقة يشير إلى أن طاقة الاندماج التجارية قد بدأت تلوح في الأفق." أكد أندرو هولاند.









