أخبار ar.wedoany.com، أكبر حالة من عدم اليقين في قطاع الكهرباء العالمي تنتقل من جانب الطلب إلى جانب العرض. فعلى مدى العقدين الماضيين، تركزت مخاوف التخطيط الكهربائي في الغالب حول ما إذا كان نمو الاستهلاك قادرًا على دعم القدرات التوليدية الجديدة، وما إذا كانت الوحدات القديمة قادرة على مواكبة الوتيرة؛ أما اليوم، فإن جانب الطلب هو الجزء الأكثر ثقة لدى واضعي التوقعات، بينما تكمن المسائل العالقة في جانب العرض — أي ما إذا كانت الموارد البشرية والمعدات والظروف السياسية والاقتصادية اللازمة لبناء وتشغيل محطات التوليد قادرة على مواكبة منحنى طلب يشهد تسارعًا لأول مرة منذ جيل كامل.

قدّمت وكالة الطاقة الدولية (IEA) في تقرير "آفاق الكهرباء 2026" (Electricity 2026 report) توقعاتها لجانب الطلب: من المتوقع أن يبلغ متوسط النمو السنوي للطلب العالمي على الكهرباء قبل عام 2030 نحو 3.6%، وهو أسرع بنحو 50% من متوسط النمو خلال العقد السابق، وتتمثل المحركات الرئيسية في كهربة القطاع الصناعي والمركبات الكهربائية وتكييف الهواء ومراكز البيانات. وباستثناء فترات الأزمات، تعد هذه هي المرة الأولى منذ ثلاثة عقود التي يتجاوز فيها نمو الطلب على الكهرباء نمو الاقتصاد العالمي.
يتوافق هذا التقدير مع أحدث توجهات الأبحاث لدى شركة التحليلات البريطانية Verdantix. فقد أصدرت الشركة "مؤشر الاضطراب الصناعي" (Industrial Dislocation Index) الذي يقيّم درجة انحراف ظروف التشغيل في تسعة اقتصادات رئيسية عن معدلاتها الطبيعية خلال ثلاثين عامًا، وحددت في مجال توليد الكهرباء أربعة متغيرات ذات وزن مفرط: السياسة، والاحتكاكات الجيواقتصادية، وأسعار الطاقة، ومدخلات الإنتاج.
ويُظهر المؤشر الفرعي للطاقة لدى Verdantix تباينًا واضحًا في درجة انحراف أنظمة الطاقة في مختلف الدول عن خطوطها التاريخية الأساسية، حيث تتسع الفجوة بين المرونة والهشاشة في قطاع الطاقة. وتقع الولايات المتحدة في الطرف المرن، حيث سجلت درجة انحراف طاقوي بلغت 1.83 نقطة، وهي الأدنى بين الدول التسع، بما يتوافق مع مكانتها كدولة مصدرة صافية للغاز الطبيعي والنفط الخام والفحم، وبانخفاض تكاليف الكهرباء والوقود لديها عن المتوسط العالمي؛ بينما تحتل بريطانيا مرتبة مرتفعة بـ 7.33 نقطة، وهي الأعلى انحرافًا، مما يعكس الفجوة بين أوضاعها الطاقوية وجذورها الصناعية التاريخية. كما تتقدم ألمانيا بـ 5.67 نقطة وفرنسا بـ 5.50 نقطة في قائمة الانحراف، بينما تقع اليابان بـ 4.50 نقطة والهند بـ 3.50 نقطة والصين بـ 3.17 نقطة والمملكة العربية السعودية بـ 3.00 نقطة وكندا بـ 2.67 نقطة بين الطرفين.
تختلف الأسباب المحددة للأوضاع الطاقوية الراهنة في كل دولة. فدرجة بريطانيا المرتفعة تعود إلى نقص الاستثمار في الطاقة النووية، وتكاليف تحديث شبكات الكهرباء الناتجة عن التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة اللامركزية، فضلًا عن الضرائب الاستثنائية المفروضة على النفط والغاز؛ وتشير Verdantix إلى أن تكاليف الطاقة في ظل هذه المجموعة من العوامل أصبحت سببًا لتقليص منتجي الكيماويات عملياتهم. وتعتمد فرنسا على أسطولها النووي للحفاظ على مكانتها كأكبر دولة مصدرة صافية للكهرباء في أوروبا، لكن التركيز بحد ذاته يشكل مصدر هشاشة، حيث تُظهر التساؤلات الأخيرة حول جودة صيانة المفاعلات أن المزايا يمكن أن تتحول بسرعة إلى مشكلات واقعية. أما اليابان فقد قلّصت اعتمادها على الطاقة النووية بعد حادثة فوكوشيما، وتعتمد حاليًا على واردات الغاز الطبيعي المسال (LNG) والفحم، ولا تملك شبكات ربط كهربائي أوروبية مماثلة تتيح لها تجاوز صدمات الإمداد عبر التجارة العابرة للحدود. وفي الولايات المتحدة، يأتي الضغط الأسرع نموًا من أحمال مراكز البيانات، حيث تشير كل من Verdantix ووكالة الطاقة الدولية إلى أن ذلك يركّز الضغط على شبكات كهرباء مناطق محددة. ومن بين جميع الدول محل الدراسة، تبرز الصين كأكثر الحالات تناقضًا: فهي في الوقت ذاته المُصنّع المهيمن على تقنيات الطاقة المتجددة والبطاريات، والمتحكم في تكرير المعادن الأرضية النادرة، وأكبر مستورد للنفط الخام والغاز الطبيعي في العالم. أما الهند فتتسارع وتيرة بناء مشاريع الطاقة المتجددة لديها، لكنها لا تزال عرضة لتأثير وارداتها الكبيرة من الفحم والنفط.
من بين جميع قيود العرض، يُعد العنصر البشري الأصعب في المعالجة السريعة. فرأس المال يمكن جمعه، والتوربينات يمكن طلبها، لكن مشغلي غرف التحكم المتمرسين أو مهندسي نقل الكهرباء يحتاجون سنوات من التدريب، كما أن القطاع يفقد الكفاءات العليا بوتيرة أسرع من تعويضها. ويُظهر تقرير "التوظيف في قطاع الطاقة العالمي 2025" (World Energy Employment 2025 report) الصادر عن وكالة الطاقة الدولية أنه في الاقتصادات المتقدمة، يقابل كل عامل تحت سن 25 عامًا في قطاع الطاقة بأكمله نحو 2.4 عامل يقتربون من سن التقاعد؛ وتبلغ هذه النسبة في وظائف الطاقة النووية وشبكات الكهرباء نحو 1.7 إلى 1 و1.4 إلى 1 على التوالي، وكلاهما أعلى من المتوسط العام للاقتصاد العالمي البالغ نحو 1.2 إلى 1. ويُظهر مسح أجراه مركز تطوير القوى العاملة في مجال الطاقة عام 2023 على شركات المرافق الأمريكية أن 56% من الموظفين لديهم خبرة أقل من عشر سنوات، وترتفع هذه النسبة إلى أكثر من 60% بين المهندسين وعمال الخطوط. وقد تم تعويض النقص العددي في القوى العاملة، لكن المستوى العام للخبرة يقع عند أدنى مستوياته منذ سنوات، في وقت يتزايد فيه تعقيد المهام التي يتعين على القطاع التعامل معها.
أما الرافعة القصيرة الأمد نسبيًا فتأتي من البرمجيات: استخدام البرمجيات لاستخراج مزيد من الموثوقية من الأصول القائمة بدلًا من إنشاء أصول جديدة. فالصيانة التنبؤية تُعد من أكثر تطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) انتشارًا في قطاع الكهرباء، حيث تقرأ نماذج التعلم الآلي بيانات حرارة المحولات واهتزازاتها، ويمكنها التحذير من مخاطر الأعطال قبل أشهر من الحاجة إلى الإصلاح التفاعلي، مع إبقاء قرار التدخل في أيدي الكوادر البشرية. وتستشهد Verdantix في تقرير "رؤية السوق: الذكاء الاصطناعي في عمليات شبكات الكهرباء" (Market Insight: AI In Grid Operations report) بحالة نشر لدى شركة Pacific Gas and Electric Company (PG&E)، حيث انخفض تكرار انقطاع التيار لديها بنحو 15% خلال عام واحد، وتقلصت مدة الانقطاعات بنحو 20%. هذه المكاسب حقيقية، لكنها تنتمي إلى فئة الكفاءات الحدية؛ فهي قادرة على الحفاظ على الموثوقية عند ارتفاع الأحمال، لكنها لا يمكن أن تحل محل القوى العاملة والقدرات الإنتاجية التي لا يزال يتعين على القطاع بناؤها.
وهنا تكمن صعوبة مشكلة القدرة على التسليم: توقعات الطلب هي مصدر الثقة، أما الكوادر البشرية والمعدات والظروف السياسية والاقتصادية اللازمة لتلبية هذا الطلب، فهي أكبر مصادر عدم اليقين.









